الرئيسية » » مقامات ومدارج ... في لوحات عبد الله اليعقوبي

مقامات ومدارج ... في لوحات عبد الله اليعقوبي

النشـرة الفنيـة..
تشكيــل



مقامات ومدارج ... في لوحات عبد الله اليعقوبي



للنشـرة الإخبـارية: د.عبـد الله الشيـخ







من أعمال التشكيلي عبد الله اليعقوبي

تنخرط أعمال عبد الله اليعقوبي التي تدرجت عبر عدة مدارات موضوعاتية (نحاسيات، الزهور، حنينيات، نسائي، الربيع العربي) في عالم المعنى والإشارة، محولة مشاهدها إلى علامات، وصور تخييلية، وشذرات، وفصوص، ومفاهيم، وكلها وسائط معنوية تصالح الأجساد المرسومة بمحيطها العام، وتنظم علاقتها بالكائنات والأشياء وتخلصها، بالتالي، من حيثيات التجربة الفردية بالمفهوم الضيق للكلمة..



كل الأجساد الطينية شبه الملائكية تحتل حيزا كبيرا في حضرة اللوحة / المسيرة، حيث تكتسي كل الأبعاد الرمزية  للماهية وللحقيقة في قاموس المناطقة. إنها تمثيل للخيال الإبداعي بتعبير الباحث مالك شبيل (رؤى الجسد في الإسلام )، فهي حالات كينونية متعددة ومتنوعة في المكان والزمان.
 تتوزع كل أجساده المجردة، إذن، بين مقام الرؤية ومقام الرؤيا، وتنهض كأفقين متكاملين للتفكير والتأمل يصوغان تصورين مغايرين تماما للجسد والكينونة في زمن المفارقات والصراعات الوهمية.
إن لوحات عبد الله اليعقوبي الشطحية لا تترك مجالا للبياض الدلالي، فهي طافحة بالمعاني والإيحاءات التي تشغل ملكات التأويل، والقياس، والتمثل الإدراكي. ففي مملكة المتخيل الجمعي، يمكن أن نتحدث عن كيمياء الجسد المركب المتولد عن أربعة أسطقسات (العناصر الطبيعية الكونية: النار والهواء والماء والتراب).
 في هذا السياق التخييلي، تتلبس شخوص لوحات عبد الله اليعقوبي بالكون من حيث طبيعته المزدوجة المادية والروحية، كما تبدو ملكاتها المحتملة بواسطة الفعل والإرادة والانتفاضة (أذكر لوحته "الربيع العربي").
هكذا، يتحدد الجسد في لوحات اليعقوبي كمادة وصورة معا باعتبارهما  وحدة عضوية لا تقبل التجزيء. وهو لعمري جسد مجنح ينزع إلى ما هو أرقى وأسمى. إنه يتماهى مع  النور (الجانب اللاهوتي) لا مع النار (الجانب الناسوتي ). فهو في حالة انتصاب عمودي يولي ظهره للمشاهد، منتشلا إياه من ظلمة الجسم، وداعيا إياه لتمثل نور العقل الأول الساكن في أعالي الجسد، وكأننا بصدد الإشارة الكافية  لمعدن الأنوار ومنبع الأسرار الذي لا ينضب. فهذه العمودية، بالتعبير الباشلاري، ليست مجازا وهميا، بل مبدأ نظام وقاعدة تسلسل تندرج في إطار علم النفس المتعالي. فنحن، هاهنا، في مأوى الخيال المنفتح وأحلام اليقظة.
إن عبد الله اليعقوبي ليس من أنصار النصف الأسفل للجسد الذين تاهوا في جغرافيته بدعوى "التقليعة الحديثة على الطريقة الغربية".
إنه ينحو بالجسد نحو العالم السماوي لا الأرضي  مدركا أيما إدراك بأن  العوالم السفلية المظلمة تكمن نزعاتها في التدمير والإقصاء، والمحو. إنه يعلم، أيضا، أسرار التناسب الموجود بين أشكال الجسد وأحوال النفس على طريقة أهل الفراسة، من حيث قيم الجمال أو قيم القبح. وفي رحاب أعماله التشكيلية، يتطلع عبد الله اليعقوبي إلى الروحانية والعقلانية، منشدا المعرفة المجردة الخالصة من شوائب المادة ومنزلقاتها.


ناقـد فنـي


ساهم بنشر المشاركة :

0 التعليقات:

إرسال تعليق

.

لنشر جميع إعلاناتكم annachrapress@gmail.com

 
النشـرة الإخبـارية ـ جميـع الحقـوق محفوظـة 2018
الإخبـــاريـة 24
تم إنشاء الماكيت بواسطة Creating Website قام بالنشر Mas Template
موقـع النشـرة الإخبـارية