الرئيسية » » تأملات الفنان التشكيلي الراحل عيسى إيكن: عندما أرسم، الذاكرة حاضرة في كل لحظة

تأملات الفنان التشكيلي الراحل عيسى إيكن: عندما أرسم، الذاكرة حاضرة في كل لحظة


النشـرة الفنيـة..
تشكيـل
تأملات الفنان التشكيلي الراحل عيسى إيكن: 
 عندما أرسم، الذاكرة حاضرة في كل لحظة


النشـرة الإخبـارية
 ترجمة من الفرنسية: عبد الله الشيخ
 ناقد فني

ليس من المصادفة في شيء إذا كانت من بين المواضيع الأساسية التي تميز حركية الفكر البصري خاصة في جانبها المتعلق ب "التنوع الثقافي" و "الغنى اللامادي" حيث تحتل مكانة خاصة. استضافة فنان من طينة عيسى إيكن تبرز تماما هذه الازدواجية الموضوعاتية. فعلا، يتجلى التنوع في نبل الفعل المتحكم فيه والمشكل على نحو مذهل من قبل الشاعر. ومصور وشاعر يجاور كنحات الكلمات في  أبيات محملة بالانفعال والحساسية على غرار الأشياء الجمالية. بالنسبة للغنى اللامادي،  رغم كونه يكمن أساسا في جميع إبداعات الروح، فيقيم خصوصا في الأعمال المنبجسة من يدي الفنان. تدعو الإبداعات المثبتة على القماش إلى الحوار أكثر من العرض على النظر ! باحتضاننا لعيسى إيكن، نحتفي بالموهبة المغربية وتؤكد، عند الاقتضاء، مفخرة هوية معاشية كعنصر مكون للتنوع.

تحـول العلامـة

» تتأسس مقاربتي الفنية كلها على العلامة. أية علامة؟ العلامة الحاكية، العلامة التزيينية، العلامة السوسيولوجية، العلامة الميتافيزيقية، العلامة الرمزية، العلامة الأبجدية؟ كل هذا.
من الأهم تحديد مجال هذه المقاربة من أجل استيعابها جيدا. لماذا لم أعرض هذه المقاربة في اتجاهات أخرى؟ لماذا سكنتني العلامة منذ طفولتي؟ تم التلفظ بالكلمة، الطفولة.
كتبت صحيفة بعد زيارتها لمعرضي: "أعمال إيكن تبدو وكأنها تستخرج حكايا منتمية للتقليد الشفهي الذي يترجمه إلى علامات وألوان متوهجة. هيروغليفات؟ أوشام؟ قطع اللعبة المركبة؟ أبجديات من الصعوبة معرفتها؟ قد  تكون لغة حليمة أو لغة ذات بعد آخر؟ تثير الرموز السرية في أعمال إيكن الخيال والشعرية وتفتح بشكل حميمي مسلكا مرتبطا باللاوعي". بعيدا عن ما يمكن لذاكرتي استحضره، أجد نفسي دائما  وسط ثلاثة عناصر وسمت طفولتي وتشكل أساس نشاطي الفني:
- حكايا جدي، قراءة مؤلفات حول عنترة، سيف بن يزل، ألف ليلة وليلة ... إلخ، إضافة إلى الخرافات الشفهية التي تروى أبا عن جد.
- أوشام جدتي التي استأثر بي سرها الخفي. لم أفهم الدلالة. في ذلك الإبان، لم أكن أدري  بان بعض العلامات  المثبتة على الوجه او في  مقدمة الذراع تمثل حروفا أبجدية.
- نسيج الحنابل. أثناء فصل الشتاء  تمارس جدتي مهنة النسيج داخل ما يسمى  بالصالون وخلال السهرات الطوال  تنسج هذا النوع من الأغطية. الخطوط بالألوان، العلامات تبرز على صوت الأناشيد التي ترددها النساء أو على إيقاع الحكايا، حيث تخلق الأساطير والحب جوا انفعاليا غنيا بالأحاسيس.
إن هذا الجو هو الذي أثر في تكويني الأول. تنسجم عناصره، بمكل تأكيد،ج مع ذاكرتي الجماعية التي  أثارت لدي  رغبة  في التعبير لم تتمظهر إلا في ما بعد رغم إن بعض المؤشرات يمكن  استخلاصها في هذه المرحلة، كميلي إلى حب الرسم على سبيل المثال.
تشكل هذا التعبير، إذن، في المجال الزراعي، في هذه البيئة الثقافية، قد يبدو كتعبير خام، لكنه محمل بإرث كبير ينحدر من عدة قرون، مبتور أحيانا أو محمي، لكنه في العمق مرتبط بشخصيتنا. طبعا، كل إرث متطور. فهو يراكم إسهامات الثقافات الأخرى والتجربة والاكتشاف والانفتاح على الآخر. التساؤلات أيضا. لماذا شكل ما أو علامة ما في مجال ثقافي ما دون غيره؟ شرعت في الاهتمام بهذه العلامات: أو شام، أبجدية تيفناغ، علامات الزرابي، أسوار الجنوب، أشكال الزليج، الأرابيسك، الحلي...
 في مرحلة أولى، أعدت تشكيل هذه العلامات شيئا مثبتا إياها  من جديد على أسندة صباغية. تتابع هوى الإبداع. كانت حينها مصغرة ومندمجة داخل مجموعة. كانت فترة متميزة جدا، فأعمالي كانت ذات حجم صغير ضبطت المساحات الكبيرة. كانت لوحات هذه الفترة في  شكل تجمع، حيث اللون والتركيبة يشعشعان على نحو خفيف وكامل.
رويدا رويدا، تأخذ العلامة في بعدها الصغير أشكالا.  نجد أشكالا إنسانية، حيوانية، نباتية...
في ذاكرتي الجماعيةـ تبدو هذه العلامات وكأنها تعطي  انطلاقة الأشكال الأولى لأصلها وأرضية تعبيرها الأولى. على هذا المستوى من المقاربة وإلى  حدود الآن كذلك، يجد بعض الزوار إيحاءات تذكارية أو تقاربات مع الأشكال الهيروغليفية أو مع علاقات الحضارة الازتيكية. أمر طبيعي، خصوصا إذا علمنا أن التعبير الإنساني مماثل في أصله وأن تفصصه تم مع تطور الزمن.
بشكل تدرجي، تأكدت العلامة بتعبيريتها آخذة  استهلالها بالنظر إلى العلامات المقترنة أكثر بهوية الماضي. على مستوى الخيال، تفضي العلامة إلى تداعيات الصور التي تحير النظر وتستدعيه أو تنقله إلى أمكنة أليفة  لكنه لا يصل غلى فك رموزها. هكذا، تهجر العلامة سياقها المحلي نحو سياقها الكوني، فاتحة آفاقا أخرى على تقارب الثقافات والمعرفة الإنسانية.
خلال أحد معارضي، أرت أن أسم هذا التقارب فعنونته "من وليلي إلى ديلف" للتدليل على إن الثقافة الإنسانية هي ذاتها وتتواجد عبر مختلف التعبيرات رغم الزمن والفضاء.
تميز هذا المعرض الأخير أيضا بعنصرين رئيسين: تمثيل العلامة في وحدتها وتشابكها مع علامات أخرى في تركيبة أفقية. تبين وحدة قوة تعبيرها بحدتها  الداخلية بدون الإحالة على التركيبة أو على اللون. إنها تكتفي بذاتها. لتشابك العلامات، في نظري، دلالة: هي تعالق الكائنات الإنسانية والأشياء عبر رباط أفقي يقودهم غلى النقطة نفسها.
تميز هذا المعرض الأخير أيضا بعنصرين رئيسين: تمثل العلامة في وحدتها وتشابكها مع علامات أخرى في تركيبة أفقية. تبين وحدة العلامة قوة تعبيرها بحدتها الداخلية بدون الإحالة على التركيبة أو على اللون. إنها تكتفي بذاتها. لتشابك العلامات، في نظري، دلالة: هي تعالق الكائنات الإنسانية والأشياء عبر رباط أفقي يقودهم غلى النقطة نفسها.
يطرح هذا التأويل مشكل وعي الفعل الصباغي. عندما أشرع في إنجاز عمل، هل فكرت مسبقا في ما سأقوم به؟ في حالات نادرة، أجيب بنعم، لكن  في معظمها، لا !
تبرز العلامة (الشكل) بطريقة تلقائية، إنها تأخذ انطلاقها وفق الظاهرة العقلانية بين الحاضر واللاوعي. كلمة، انفعال، حركة، غالبا غير مدركة، تعطي انطلاقة علامة. كيف تقوم هذه العلاقة؟ لا أستطيع تفسيرها، لكن يمكنني وصفها بالملاحظات التي استقيتها خلال اجتماعات العمل. عموما، يفتقر انتباهي ببساطة جدا، فأنا لا أستطيع تملكه كثيرا بدون الإحساس بالرغبة في التحرر. الحال أنني لاحظت أن فعل الرسم خلال هذه الاجتماعات يمكنني من إحكام انتباهي ومتابعة النقاشات جيدا. الأهم كثيرا، هذه القدرة على جعل الانتباه في يقظة بالرسم، مع إعطاء الحرية للاوعي للتعبير كأنني فصلته عن الوعي.
بشكل عام،  تتحدد خطاطة إبداعي وصياغة عملي في مرحلتين:
- في طور أول، تتجلى العلامة في مظهرها  الخام. تعبيرها قابل للتأثر ببساطة.
- في الطور الثاني، أكمل تعبيريتها بالتركيبة واللون على نحو حدسي وعبر المظهر العام للعمل. حسب الشكل، استعمل ألوانا قوية أو مشعة. التركيبة تأخذ بعين الاعتبار، طبعا، سطح القماش والهدف الذي أتوخاه.
بتعميق هذه المقاربة الفنية الموجهة حول العلامة، بالحدس والفضول المعرفي، كما تم توضيح ذلك أعلاه، لا أستطيع تخيل التحول المزدوج الذي حدث في أعمالي والأحاسيس العميقة التي رسخها. تحررت بنية العلامة من بعدها الأصغر. بسط إزهرار الأشكال الجديدة نفوذه على إبداعاتي. تدريجيا، انفصلت العلامة التي تنهل من بنيتها الجمالية عن سياقها، منتجة ظاهرة القطيعة مع الفضاء والزمن.
تحررت العلامة من أبوية كل فكر تشكيلي لتؤكد تعبيرها الخاص. في الحال تطرح أسئلة: أليست العلامة والشكل في معناه الواسع والكتابة والإيديوغرام ثمرة تحول طويل عبر القرون؟ ألا تثير في الخيال الخصيب للفنان الصور والحكايا والخرافات؟ تاريخ تتجذر شذراته جيدا في الذاكرة. ظهور الشخوص، فرادى وجماعات، يشكل التجلي الأول لتحول العلامة بعد هجرتها في مختلف القارات بتقارباتها مع علامات أخرى كالهيروغليفيات أو الأشكال الأزتيكية. توحي هذه الشخوص حد السريالية بأحاسيس متباينة.
قراءة أولى. عند النظرة الأولى، تبدو خارجة عن المألوف، فهي تلاحظ بخصوصية الهيأة ذات المظهر الشعري، ملتمسة في أغلب الحالات ذرة حب، واضعة اليد على الصدر بالنسبة إلى القلب أو فعل منفصل للتدليل على إحباطها أو تمردها على عدم تمكنها من الحصول على ما كانت تطمح إليه. لا يفيد غياب ملامح الوجه حول عمر الشخصية. يمكن أن تفعل كشاب بقوة العمر الذي تعرض بقسوة لقدر جرده من ما شغل فكره رغم التصريحات المتعددة للحب على ظل شجرة التين الكبيرة التي غطته بأوراقها خلال حيز زمني. أليست بالأحرى  رجلا في أفول العمر يبحث في عزلته العميقة عن بريق أمل. إمارة يكونه مع ذلك، مستلقي على الظهر، محمي بملمح في شكل تابوت. حضور الموت مرئي بلونه، قاس، ومحتم لكنه شديد العزم، في مكان ما، بمنفذه المقدر. لا يبدو أكثر بعدا عن الشخصية. إنه في المكمن، ينفخ نفسه بتحليق طائر.
القراءة الثانية. أليست هذه القراءة رمزية، ألا تمثل جزء الذاكرة المكبوت الذي يرفض المحو أو بكل بساطة الجهل؟ تكامل الشخصية لا يتم في المجزأ. إنه في حاجة إل شمولية الذاكرة القصيرة تجذب الحنين الصامت وفقدان الكلمة. إنها تؤلف شذرات صور أتلفت بالزمن لتعويض معاناتها الأليمة. الإدماج لا يختزل المنفى، لا يفضي غلى النسيان رغم المظهر الخداع والاستبدال.
تدوم الحرية، مقولة عابرة مرتبطة بالظرفيات وبشجب السائد وبالمصادر التي  تعج بالأحداث. الذاكرة قادرة على التقطعات العميقة للفكر والمعيش والعلاقات. تتوق الشخصية الغرافيكية إلى تفكيك هذا الخليط. إنها تقايض ألمها ضد العلامة. طريقة لإخفاء ألمها وللتعبير عنه بلانهائية الخطوط إلى الحياد المهدى. القبر، جزء من الذاكرة، يعبر عن الماضي لكن وجوده يفسر الحاضر. بشرط أن يشكل موضوع خطوط من طرف الخلف. إنه استمرارية لكنه أيضا غاية في ذاته. شخصية أو ساكنة تغادر مكان إقامة أسلافها حيث يتوقف، بالموت، خط انتمائها. ألا تضع القبر وذاتها في منفى صامت. هذه الشخصية ذات  الهيآت السرية من صنيع متخيل طافح بالاستيهامات. إنها تستشعر الرغبة في إعادة بناء ذاكرتها، ثقل لم تتردد في جره. ترفض خط التقاسم بين جزئي الذاكرة الكائنين في فترتين وفي فضاءين، الشيء الذي يبدل التسلسل التاريخي. يفقد جزء الذاكرة الكامن في الفضاء الأول صوته في الفضاء الثاني وبشكل متبادل، يصبح الجزء  الثاني صامتا في الفضاء الأول. كيف يمكن إذن مصالحة جزءي الذاكرة؟ هل بتطبيق أحدهما أو  بالصمت؟
التنازل هو إنكار جانب من شخصيتها ومن مرحلة من حياتها التي بدل إغناء قدرتها الفكرية، تتلف انتعاشها بنوع من التناثر أو العزلة. يؤدي غياب الاستمرارية في الذاكرة بشكل لا جدال فيه إلى جزء دون الآخر. يفضي غياب الانسجام بين الجانبين إلى تفرغ ثنائي. يترجم الصمت في هذه الحالة شكلا من الإحباط إلى حدود النذالة. إخفاء جزء من ذاكرتها لمصلحة أنانية أو خوفا أو بساطة رغبة في إنجاز عمل جيد أو إحساس بالأفضل لا يساهم في حل صراع تقسيم الذاكرة.
عندما أرسم، الذاكرة حاضرة في كل لحظة. إنها تحيرني. هل علي أن أنسج علاقة مع الصور والعلامات والخطوط والذكريات التي تهيمن علي في هذه اللحظات؟ يقود الشكل المعزز بلون أو بألوان متعددة ريشتي. تبرز في ذاكرتي صور فضاء وحدث لا يبدو ظاهريا ان له ارتباطا بالعمل. مع ذلك، الانطباع المحسوس قوي ويتملكني. أسعى إلى فك أو فهم هذا السر. لا أستطيع أبدا. هل هنا سر التعبير الفني الذي لا يخضع لأي تفسير عقلاني؟
بعد الغد، أباشر مبادرة للفهم بمعاودة اللوحة  بعد أنشطة مختلفة وقراءات لا علاقة لها بالتصوير الصباغي. باللمسات الأولى للريشة، تجتاحني الصور  وتواصل رغبة اكتشاف دافع الانبثاق ثانية لهذه الذكرى الثابتة والعنيدة التي ترفض مغادرة فضائي الواعي. ربما يمكن إعطاء مثل باللوحة التي أنجزها حاليا. إنها تتابع هيآت خطية على السطح الكامل للقماشة (90 سم/70سم). عدد الهيآت ذات الشكل الآدمي في معظمها 85 (بعدها 15 سم/5سم تقريبا). تتداعى صور مدينة فكيك التي أقمت بها بمناسبة مهرجان بشكل
تناوبي. أعيد مباشرة صحيفة الورقة التي  رسمت عليها التخطيط الأولي. أحتسب 47 هيأة، يمكن أن يكون تفصيلا ما دام بعد القماش لا يشبه بعد الورقة. أدرس صحيفة الورقة،  ألاحظ  ثلاثة أرقام هاتفية بالإضافة إلى رسومات. تهم هذه الأرقام اتصالاتي داخل المغرب وخارجه خلال  التحضير لمهرجانات:  وليلي، فكيك والعيون. طبعا، التخطيط  الأولي وجد قبل  إنجاز اللوحة الذي شرعت فيه بعد عودتي من العيون.









مع ذلك، كنت مقتنعا بأن لها علاقة  مع هذه المدينة  الأخيرة التي قضيت فيها "أياما فاتنة، عشت  إذن تناقضا بين الوعي واللاوعي. أليس  الأمر رسالة؟ بالفعل، بعد عودتي من فكيك، أثارتني هذه المدينة المحاصرة على الحدود الجزائرية والتي تبدو منبتة. القصور، التراث المعماري  الحقيقي ذو الجمال الآسر،  هاجرها سكانها. منذ عهد قريب، فضاء للتسامح، للتعايش بين العرب والامازيغ واليهود. كانت منتهى التوسع.
اليوم، تحافظ بتواضع على جمالها فقط لبعض السكان أو المنفيين الذين يتملكهم الحنين والذين يترددون على زيارتها من حين لآخر، لإعادة أماكن ولادتهم أو مساكن آبائهم، أمواتا أو أحياء. أعود إلى نفسي، كل قدرتي الفكرية اتسمت بالمنفى".
ساهم بنشر المشاركة :

0 التعليقات:

إرسال تعليق

.

لنشر جميع إعلاناتكم annachrapress@gmail.com

 
النشـرة الإخبـارية ـ جميـع الحقـوق محفوظـة 2018
الإخبـــاريـة 24
تم إنشاء الماكيت بواسطة Creating Website قام بالنشر Mas Template
موقـع النشـرة الإخبـارية