الرئيسية » » أحمد الشرقاوي... بين الحداثة والتجذر

أحمد الشرقاوي... بين الحداثة والتجذر

    
النشـرة الفنيـة..
تشكيـل

أحمد الشرقاوي... بين الحداثة والتجذر


التشكيلي أحمد الشرقاوي يبعث حيا في متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط
  
يحتضن متحف محمد السادس للفن الحديث والمعاصر بالرباط معرض "أحمد الشرقاوي : بين الحداثة والتجذر" ، الذي يتواصل إلى غاية 27 غشت القادم .و قد حضر حفل الافتتاح بالخصوص السيد سعد الدين العثماني رئيس الحكومة، والسيد عمر عزيمان مستشار جلالة الملك ، والسيد إدريس جطو رئيس المجلس الأعلى للحسابات، فضلا عن السيد مهدي قطبي رئيس المؤسسة الوطنية للمتاحف والسيد نور الدين الشرقاوي ، نجل الفنان التشكيلي الراحل ، وكذا عدد كبير من الفنانين والمثقفين والإعلاميين .
ويتضمن المعرض أعمالا فنية غير معروفة لدى الجمهور الواسع لأحمد الشرقاوي، المزداد سنة 1934 بأبي الجعد والمتوفي سنة 1967 بالدار البيضاء ، تنتمي لمجموعات خاصة أو تابعة لمؤسسات مغربية أو عالمية . تتشكل اللجنة العلمية لمعرض "أحمد الشرقاوي : بين الحداثة والتجذر " من إبراهيم علوي ونور الدين الشرقاوي ومحمد المليحي.

أحمد الشرقاوي: ذاكرة موشومة

تكون أحمد الشرقاوي بمدرسة المهن الفنية بباريس سنة 1959، شارك في مرسم "أوجام" بمدرسة الفنون الجميلة بباريس سنة 1960، كما درس الفن في بولندا بمدرسة الفنون الجميلة في فرسوفيا سنة 1961، حينها احتك بالفنان التجريدي البولوني "ستاجوسكي". أقام هذا الفنان الرائد مجموعة من المعارض الفنية داخل المغرب وخارجه، علما بأنه توفي في مقتبل العمر سنة 1967.
أعماله التشكيلية توثيق رمزي للأشكال والعلامات والأوشام والرسوم الزخرفية والمعالم المعمارية المغربية، من أجل خلق أبجدية تشكيلية أصيلة محتفلة في معظم الأحيان باللونين الأبيض والأزرق، مجسدة مبدأ "الرؤية الجمالية تكون من الذات العارفة الخالصة ومن إدراك المثال". أحمد الشرقاوي فنان استلهم الموروث الثقافي بفنونه : فنون الزخرفة (الزرابي، الجلد، المعادن)، فنون المعمار التزييني، فنون اللباس (حلي، أثواب ...) ، الوشم الذي يذكرنا بقول الخطيبي : "وكأني بالجسد، هذا الفضاء المؤهل للمتعة أو التملك، هو نفسه لوحة حية أو نحت حي" (مقامات من الرسم المغاربي المعاصر). فالمتلقي لأعماله ينطبق عليه تصوير شوبنهاور للباحث عن الإرادة في العالم فهو أشبه برجل يدور حول قلعة يبحث عبثا عن مدخل إليها، ويعمد أحيانا إلى رسم خطوط لوجهاتها. يبقى مفتاحه الخاص، إذن، هو مدى الاستيعاب العميق لأصول ومرجعيات اتجاه البعد الواحد في التشكيل أو "اللاشكل" القائم على روح التجريد، وحرية التوزيع الخطي، والاحتفال اللوني داخل مساحة اللوحة وامتداداتها التشكيلية، حيث تمرد على إطاراتها الفنان فريد بلكهاية مستثمرا أسندة مغايرة كالجلد والخشب والنحاس وغيرها من المواد التقليدية.
لقد ذهب الباحث الجمالي موليم العروسي على التنصيص على كون الفنان أحمد الشرقاوي وفريد بلكاهية وحميدي (المغرب)، ودوني مارتينز، وشكري المسلي (الجزائر) وقويدر التريكي (تونس) وعلي الزويك (ليبيا) وآخرين يندرجون في إطار الفنانين الذين يرسمون إلى جانب لاشعور الإنسانية لا شعورهم الخاص كمكبوت يعود، مؤكدا على كون الذي يحتوي النور بإمكانه أن يمنحه مضيفا : "مظلم أيضا ذلك الذي ينير، لأنه ليس بالإمكان أن نرى عندما يغمرنا النور بفيضه المطلق وفي غياب الظل" (مقامات من الرسم المغاربي المعاصر).

اللاشعور الجمعي المتحرر

حرر الشرقاوي اللاشعور الجمعي على مستوى ممارسته التشكيلية المتجددة التي تتأسس على مبدإ "اختراق المقدس للمدنس" ارتقاء بالمطلق الروحي؛ الشيء الذي يعكس بشكل واضح القلق الكبير بالضوء، هذا الوجه الخفي للآخر الذي يستنصت هواجس المبدع العميقة، موقعا تجاويفه وآثاره الكيانية اللامرئية، مستنبتا البلاغة المعاصرة التي ترشح بمقام التأصيل والتحديث : ألم يكتشف صدفة الفنان بول كلي، في بحثه داخل حضارات الدليل، ضوءا آخر يتوحد بفضائية الأدلة والأشكال المعمارية والآرابيسك إثر زيارته لتونس ؟ أليس هذا الضوء هو الذي وسم انبهار ماتيس ودولاكروا وكاندينسكي وآخرين، حيث رحلوا للكشف عن التوازن بين اللون والشكل والعمق والمنظور؟
مع الشرقاوي ندرك أن التشكيل تجربة عشقية ذاتية ترقى إلى عتبة الحب عند ابن حزم حين أكد ما قوله: "الحب – أعزك الله – أوله هزل وآخره جد، دقت معانيه لجلالتها أن توصف فلا تدرك إلا بالمعاناة" (طوق الحمامة).
ترتكز الشخصية الاعتبارية للشرقاوي على إيمانه العميق بأن الفعل التشكيلي مشترك إنساني بإمكانه الغوص في همومه الوجودية ومداراته التخييلية، وهنا يكمن حبل السرة مع المسألة التشكيلية بكل رموزها الدالة. الضوء في أعمال الشرقاوي معادل للفن الذي نعته هيجل بالجني الأنيس الصادق مضيفا : "إن أسمى مقصد للفن هو ذلك المشترك بينه وبين الدين والفلسفة : نمط تعبير عن أرفع حاجيات الروح وأسمى معانيه". وهنا يحق لنا أن نتساءل مع الباحث الجمالي موليم العروسي ألا يحفر الرسامون على جسد الحضارة المعاصرة لهم تمتمات الحضارة الآتية ؟ إنه لمن الضروري الإحساس بوساوس التشكيلي وأسئلته في أفق استرجاع فتنة الإبداع في أزمنته البدئية وفضاءاته الذاكراتية، ما تحفل به لوحات الشرقاوي باستعاراتها الإنسانية والحضارية. إنه لأدعى إلى التأمل أن نكتشف رهبة الأشكال في لحظاتها المنفلتة والمنخطفة، وكأننا أمام حلم استعماري أو رؤيا مجازية مباغتة تحفف عنا وطأة الجحيم الأرضي (جحيم بقوة جحيم دانتي)، وتنير لنا الطريق بالضوء المنبثق من اللوحات، محفوفا برغبات الفنان ومبطنا لأحشائه وهمومه وتطلعاته. فمع هذا الضوء الآسر نتذكر قول أرسطو : "إن ما يهدف إليه الإنسان الحكيم ليس هو اللذة، وإنما التحرر من الألم". ربما هو ألم فقدان الأم في زمن الطفولة الذي خلق جرحا داميا في نفسية الشرقاوي راكنا إلى العزلة والغربة. فهل رموزه وأشكاله حنين تجريدي إلى صورة الأم المفقودة ؟

البـوح التشكيلي

عندما يصبح التشكيل أفقا مغايرا لتجربة الفنان أحمد الشرقاوي، بوصفها تجربة وعي وأداة ورؤية، ترهص لوحاته بأنسقة بنائية وتخييلية وكأنها بيان الإبداع عنده الذي يفجر أسئلة جديدة متعلقة بالشكل والتركيبة والمخيلة. إننا بصدد عتبة جديدة من التشكيل المفتوح والمغامر والجسور. فالشرقاوي يخترق المتخيل الروحي والثقافي العربي الإسلامي بحدوساته وإشراقاته ما دام العمل تجربة ذهنية وجمالية في آن تستند إلى إرث رمزي يشتغل على جسدية الحرف ومراقي التجريد، حيث بلاغة الشكل تتوحد مع سيمياء الخطوط والكثافات اللونية المضيئة في مسافات جمالية مهيبة وشيقة. تنفتح مع الآثار الرمزية التجربة، تضيء وتستضيء، مستغورة أسطورة الضوء كلحظة هاربة وكزمن مفقود مطبع بالمحمول الروحي والإبداعي بكل استبصاراته واستشرافاته. إن الشرقاوي أول من محور تجاربه التشكيلية حول العلامات منذ فترة الستينات، باحثا عن تعميق دلالاتها، لموضعتها بطريقة أصيلة في لوحاته القماشية بخبرة مثيرة وبحساسية تواصلية. يقول الباحث محمد السجلماسي : "لم يعد إنتاج العلامة كما هي ثابتة على الخزف، الفضة، الزربية، الجلد أو الجسد الإنساني، ولكن بتمكن حركي كبير اكتشف الشرقاوي حضورها الكلي في المكان والزمان، محولا إياها بوسائل تشكيلية شخصية، حيث بروز الألوان يلعب دورا أساسيا قصد منحها بعدا جديدا يعكس تأصل تصوفه وتمكنه من "الخطاب التشكيلي المعاصر" (الفن المعاصر بالمغرب).
الشرقاوي فنان ارتضى استراتيجية خلخلة الثوابت التشكيلية في حقلها المتداول، عبر نحت أشكال فنية استبطانية وتأملية مسكونة بالاختيارات الآتية : "لم يكن الشرقاوي ممن يميلون إلى السهل من الأمور أو يسعون إلى النجاح الرخيص والمؤقت والربح المادي الوفير ويتلمسون حياة الأضواء في قاعات العرض، وينجرفون في دوامات نجاح باهر ولكنه زائف" (إدموند عمران المليح – أحمد الشرقاوي).
مستلهما المقدس كألف باء وكمدونات جمالية، محاولا احتضان فجر الحضارة الإنسانية عبر ضمان انصهار الناسوت في المطلق. أليس الأمر نداء لمباطن العشق والسمو والتحليق حتى يتم استشراف جوهرية الكائن، مادام الهاجس هو تشكيل المقدس والتزلف إليه إبداعيا. يا له من بوح تشكيلي ينضح تجربة وحبا ورغبة وكأنه نشيد الإنشاد، حيث تنتفي الحدود بين المبدع والحكيم والعاشق. ألم يقل أندريه مالرو : "الفن المقدس ليس فنا خارج الزمن، فحسب، بل هو أيضا فن يخلق تعالقا بين العابر والخالد" (وجهات نظر حول الفن التجريدي والفن المقدس).
فمع الشرقاوي، نحس بأن الفن سفر رمزي في فضاءات التذكر والهوية والحياة المتجددة والمنبعثة في أي لحظة، بعيدا عن فضاء اليتم، والمحو، والفقدان، والنسيان والغياب : إنه بيان الألفة والغرابة والدهشة والطفولة.

المضيء المعتم

انشغلت أعمال الشرقاوي بسؤال المضيء والمعتم، في استغوارها لكينونة الذات ورهاناتها من خلال مقصدية رؤياوية تهجس باستنهاض الكمونات المختمرة للذاكرة والجسد معا، وفق سجل حافل بالعلامات الكبرى والصغرى والقرائن الدالة والعناوين المصاحبة. آمن الشرقاوي بسحر المخيلة الطفولية، وناشد حرية الأداء والرؤية، مؤسسا مع الجيلالي الغرباوي تجربة الإبداع التجريدي بالمغرب، كاستجابة عميقة لعالمية الفنون التشكيلية، الشيء الذي يفسر الاشتغال المكثف على مجموعة من الوحدات البصرية والمعرفية كالرمز والعلامة، الجسد والأثر، الذاكرة والنسيان، الفراغ والامتلاء، المادة والفضاء، الحرف والنص، اللون والشكل، السطح والعمق وغيرها. تجد هذه التجربة التأسيسية صداها مع مدرسة الفنون الجميلة بالدار البيضاء تحت إشراف الفنان الفرنسي ماجوريل الذي تأثر بضوء مراكش على أنقاض مدرسة الفنون الجميلة بتطوان التي ترأسها الفنان الإسباني بيرطوتشي (المفتون بالمادة المجسمة والمشخصة). انكب الشرقاوي على دراسة الرموز التاوية في الفضاءات التخييلية والمعمارية متشبثا بهويته الوطنية بثقافتها المحلية وامتداداتها العالمية. سبق للمفكر إبراهيم العلوي أن أكد بأن الفن المعاصر متعدد لأنه اكتشاف للكون البصري عبر تعدد الرؤى حول صورة العالم العربي، ومن هنا تبلور اتجاهان تاريخيان منذ فترة الستينات سعيا منهما لتقديم أجوبة جمالية لإشكالية الإبداع المعاصر. الاتجاه الأول يمتح من علامات الذاكرة البصرية القديمة (الوشم، الكاليغرافيا...) يمثله الشرقاوي، خدة والعزاوي وغيرهم، في حين تشرب الاتجاه الثاني بلغة تشخيصية تحيل في معظمها على الواقع الاجتماعي والمتخيل الجمعي في ضوء تجربة كل من حميد ندا، المدارس، جواد سليم (مجلة قنطرة، معهد العالم العربي).
تركيبات وملصقات من الحجم الصغير على قماش القنب (أسلوب كان يعتز به بول كلي)، أشكال ورسومات وأوشام وسمها الشرقاوي ب "علامات والدتي"، دوائر ومثلثات ونقاط وخطوط منكسرة ومتخيلة، انطباعات وجهه البيضوي، صورة زوجته "لودميلا" وابنه "نور الدين" مذكراته اليومية، افتتان باللون الأبيض كمسافة مشرقة واستغوار للفكر الصوفي من خلال لوحتيه الكبيرتين : "الديوان" و "الحلاج" وذلك في أواخر عمره، حيث استأثر بالبحث عن المطلق والتوليف بين الصوفية والتجريد لمعانقة الحرية والإنسانية :  أليس الفن لغة أصيلة للمرئي واستعارة لأنشودة الكلمة الخلاقة ؟
أوشام بدوية مغربية وزخارف الريف مشار إليها ومرسومة بالحبر الأسود داخل خرطوشات مخططة. فمنذ سنة 1960، اهتم الشرقاوي بالزخرفة الموشومة أو المرسومة أو المنسوجة. ما بين سنتي 1962 و 1964، تأثر بالأشكال المستديرة ذات الألوان المتعددة وكأنها الأعمال الغنائية المجردة للفنان روجيه بيسيير الذي ولد عام 1888 بمنطقة "لوت أي غارون" بفرنسا وقام منذ 1911 برحلات طويلة إلى إفريقيا الشمالية. في سنة 1965، انكبت أعمال الشرقاوي على مقاربة المرايا المتوهجة والألوان اللامعة التي تبعث من النور كخلفية للوحات القماشية التي قال عنها الباحث ادموند عمران المليح : "حاول دون أي تظاهر أو ادعاء أن ينقل إلى عالم التصوير تجربة إلهام صوفية لاشك فيها" (أحمد الشرقاوي). فعبر هذا الفنان الرائد تعرف الباحث بيير غودبير على المغرب الذي أكد بأن الشرقاوي نموذج لنسيج أصيل وراق بين هويته المزدوجة التي تتأرجح بين الإرث الأمازيغي لأمه وإرث التقاليد العربية الإسلامية لأجداده. متشربا بالفن المغاربي والتصور الصباغي الغربي ومتأثرا بالثقافة الصوفية لجده، وبمدرسة باريس، انشغل الشرقاوي انشغالا كبيرا بالتجريد الغنائي لبيسيير وبول كلي محدثا قطيعة مع الفن الاستشراقي، حيث فتح مع الغرباوي طريق التجديد للمدرسة المغربية منذ عهد الاستقلال، وقد تلقت أعماله إقبالا كبيرا وتشجيعا متزايدا في المغرب من قبل "غاستون دييل" الذي خص له مونوغرافيا، وبباريس من قبل "سيريس فرونكو" و "مونيك دوغوفنان".

حضـارة الدليـل

أليس الفن أسمى تعبير عن الفكرة المطلقة كما ذهب إلى ذلك هيجل ؟ إنه همزة وصل بين الواقع المتناهي والحركة اللامتناهية، لذا يبقى التجريد هو المقام الأمثل لتجاوز العجز الحاصل على مستوى الإيحاء لنا بالواقع الحي تجاوزا للأوهام أحادية الجانب والصور الكاريكاتورية للمحاكاة الواقعية. فلا وجود لصورة تشبه الواقع حد الغثيان. أدرك الشرقاوي ما جوهره أن الفنان يظهر لنا براءته ومهارته في الإبداعات المنبثقة من الروح أكثر مما يظهرها في محاكاة الطبيعة، ألم يؤكد شوبنهاور ما نصه : "إن الفن بتطلعه إلى منافسة الطبيعة بمحاكاتها، يبقى أبد الدهر دون مستوى الطبيعة، ويكون أشبه بدودة تجهد وتكد لتضاهي فيلا". مضيفا : "من يجعل من المحاكاة هدف الفن، يحكم على الجمال الموضوعي عينه بالاختفاء والزوال".
إن الشرقاوي رائد من رواد الحوار الحضاري مع الفن المعاصر، حيث دشن الانفتاح على أسئلة الحداثة والهوية من خلال أشكاله وألوانه والتوازنات الإشراقية للوحاته : وحدات خطية، أشكال هندسية خالصة، شفافية متموجة ومكثفة، بحث عميق في المنظومة الرمزية لحضارة الدليل، تجذير لتقاليد هويتنا البصرية. يقول عنه الباحث عبد الكبير الخطيبي : "لقد دشن أحمد الشرقاوي الذي توفي في مقتبل العمر عن 33 سنة، هذا الحوار مع كل من الحداثة وحضارته الشخصية للدليل.  لم يكن الوحيد بطبيعة الحال، لكن عمله كان نموذجيا ولو لم يكتمل". مضيفا في مقام آخر : "يتجاوب توتر الغرباوي مع طمأنينة الشرقاوي. ولكن من ذا الذي يتصور أن الهوية التشكيلية لبلد ما تصنع ذاتها من غير ألم ولا قلق ؟ ومن ذا يمكنه أن يعتقد مرة أن الرسم ما هو إلا طيش ولا مبالاة ؟" (مقامات من الرسم المغاربي المعاصر).
إن منظومة العلامات عند الشرقاوي يجب النظر إليها في سياق تصور مارك لوبو للإبداع العربي المعاصر الذي تدارك من منظوره مأزق فراغ المعنى الذي يجتاح الثقافة الغربية، حيث أصبحت العلامة بتعبير الشاعر الألماني هولدرلين فارغة من كل محتوى ودلالة، الشيء الذي يبرز ضرورة حوار الثقافة الغربية مع العالم العربي الإسلامي، ما يمكن أن نلحظه في أعمال كل من : جون ديغوتكس (بدأ بالتصوير عام 1938 بعد رحلة قام بها إلى تونس عابرا الاتجاهات التالية : الوحشية، التكعيبية الجديدة، التجريد الغنائي، الكتابة التشكيلية المتأثرة بالإشارة وبالشرق الأقصى وفلسفة الزن وحركة التقشف والفراغ)، هنري ماتيس (عزز بحثه عن الألوان الصاخبة الحرة بتأثره بالمعرض الاستعادي لأعمال فان غوغ عام 1909 وبرموز معرض عن الفن الإسلامي عام 1903 حيث تأثر بالوحدات الزخرفية لفن الأرابيسك، وقد عنون إحدى لوحاته ب "المغاربة")، أليشينسكي (انضم عام 1948 إلى جماعة كوبرا التي استهوته بشعارها "التجريبية والجماعية" بعد رحلاته إلى أوربا والمغرب)، بول كلي (زار تونس سنة 1914 مؤكدا في مذكراته "قمر الشمال" بأنه اكتشف "قمر الجنوب" بنوره الفياض مندهشا بقوله : "أنا فنان واللون يمتلكني") وغيرهم من فناني الحداثة التشكيلية.

ملتقـى الطـرق

من الانتشاء تتبلور أعمال الشرقاوي الصوفية للتعبير عن جوهر الأشياء برغبة متوهجة ومزاجية منفعلة، حيث التحليل الدقيق للمفارقات بين الماضي والحاضر، كتجذير وكإنصات عميق لفن عصره بأعرافه وتجاربه، وإخلاص للذات المزدوجة (أب ينحدر من أسرة صوفية عريقة، وأم تنحدر من قبيلة أمازيغية للأطلس المتوسط). إنه ملتقى الطرق بتعبير الباحث السجلماسي والحلقة الحية بتعبير الناقد خليل مرابط التي تشكل الخط الموحد بين الذاكرة الخافقة للبعض والانشغالات التشكيلية للآخرين في ضوء واقعه المعرفي المتوزع بين التصوير الصباغي والثقافة، مقدما بذلك طابعا مغايرا للصراع الدائر حول التشخيص والتجريد عبر سجل "الثقافة الوطنية". يرى الناقد خليل مرابط بأن فرادة الشرقاوي ليست تراجعا إلى الوراء وارتدادا بل هي انفتاح غني لا يفسح المجال إلى أي بتر أو انحصار استنساخي في التكرار أو تنازل عن الخصوصية والأصالة. إنه تجربة جريئة سلطت الضوء على العلامات المنسية والمهملة لتشكل حدثا تاريخيا بكتابتها المخلصة أو المنفذة.
يبقى الشرقاوي بتعبير الناقد خليل مرابط فنان الوساطة ينير موقعه المنفلت من كل تصنيف ملتبس متعلق بمدرسة باريس وأتباعها المبدعين، فهو صوفي الفن المسكون بالحنين إلى النسيج الصوفي البدائي، معانقا السند الخشن وكثرة العقد ومستثمرا قماش "الجوت" والتلوينات الخفية والكتابة الأمازيغية "تفيناغ" التي تؤكد حضور المغرب من خلال الأثر والألوان المتحولة. فمنهجيا، يختار الشرقاوي علامته، يؤولها ويحولها من موضعها قبل أن يثبتها على القماش لخوض بدايات جديدة. علامات متوالدة نموذجية ومتعددة الدلالات تؤسس لكتابة النور بالنور بوصفها كثافة غنائية مسكونة بالقلق المعرفي الذي يجد صداه في المواضيع المحددة في عناوين اللوحات إلى درجة أنه أقام سنة 1964 معرضه الباريسي تحت شعار "القرآن". عالم للحب، للوساطة والفهم يتولد من التوفيق بين السمات المميزة. إنه عمل محيط بهالة الفضاء، والطاقة الشفافة، والليونة الروحية، وعمق الإيقاعات الأولية، وعمق "الموسيقى الداخلية" للكتل القزحية : "فنان ينتمي أحشائيا، إلى كون آخر، إلى واقع يزيده الابتعاد حدة والحنين مثالا. فهذا الانبعاث المتجدد والأصيل يدفع، أيضا، بمرتل الحكمة لمضاعفة اتصالاته ولقاءاته لكي يعرف بالتصوير الصباغي المغربي اليتيم".

جـرح الحكمـة

ركز الكاتب ادموند عمران المليح على الوسط البيئي الذي ترعرع بين أحضانه أحمد الشرقاوي (الطبيعة، النص القرآني، الماضي المقدس، جده محمد الشرقاوي المعروف بتجربته الصوفية ...)، حيث تعلم من الخط الذي يكتسي قيمته الجمالية من التواصل أيضا مع الثقافة الغربية انسياقا مع هاجس البحث عن شخصية مزدوجة : الرسام والمغربي. من هنا، ففن الخط لا ينهض كوسيلة تزيينية أو خبرة مهنية بل هو بتعبير عمران المليح شاهدا حيا على حساسيته الفنية التي تأكدت بوجه خاص عندما قرر الالتحاق بمدرسة المهن الفنية بباريس. سيشكل فن الخط أفقا استلهاميا لأحمد الشرقاوي لكونه يتميز بطابعه المقدس المستمد من مبدإ : "القرآن هو الأثر الطبيعي والتجسيد المادي لكلمة الله". فالشرقاوي مثال لا يجود الزمان الإبداعي به مرة أخرى، لأنه مثال يعكس الجذور السامقة بتعبير الخطيبي التي لا نهاية لتأثيراتها الفنية ولا حد لأعماقها الأصلية، فهي تصنف ضمن الإطار المونوغرامي نظرا لتشابكها واحتفالها بالجذور والأصول. يقول الخطيبي : "إنه يشعر بانبثاق للجذور لا يقهر" لذلك آمن بأن التصوير كتابة للرمز موشومة بنشوة الشمس وجذور الشجرة بعيدا عن الواقعية التسجيلية والتصويرية الاستشراقية، في إطار ابتداع رموز من ميتافيزيقا الفراغ، محققا بذلك الدرجة القصوى للحلول لصوفي في اللون والمادة والنور المطلق. فإذا كان بول كلي قد توصل إلى الفن التجريدي بعد إعداد تصويري طويل، فإن الشرقاوي قد توصل إليه بالرجوع إلى الجذور الذي يعتبر تكريما لذكرى الشمس واحتفاء بما لا يمكن نسيانه، متجاوزا التصوير الغامض مع فوترييه ودوبوفيه وكلاين وسولاج وماسنييه وغيرهم. لقد عانق بصدق وإخلاص قول الحلاج : "سكوت ثم صمت ثم خرس  *** وعلم ثم وجد ثم رمس".

أحمد الشرقاوي صحبة أخيه والفنان الراحل أمين الدمناتي



الشرقاوي بقلم الغرباوي

"لا لم تغادرنا، ستبقى دائما منبعا ينبض بيننا، وحده الجسد غائب ... الروح حاضرة. إذا كانت عيوننا لا تستطيع أن تراك، فإننا نستشعر حضورك بعقلنا". بالفعل، كما أكد الناقد خليل مرابط فمنذ موت الشرقاوي عام 1967 ورثت الممارسة التشكيلية المغربية حضورا مزدوجا ومشرقا يحمل توقيعي الشرقاوي والغرباوي.
----------------- ------- 
عبد الله الشيخ (مقتطف من كتابه "أصوات الصمت"، الجزء الأول، الطبعة الأولى 2013).
ساهم بنشر المشاركة :

0 التعليقات:

إرسال تعليق

.

لنشر جميع إعلاناتكم annachrapress@gmail.com

 
النشـرة الإخبـارية ـ جميـع الحقـوق محفوظـة 2018
الإخبـــاريـة 24
تم إنشاء الماكيت بواسطة Creating Website قام بالنشر Mas Template
موقـع النشـرة الإخبـارية