الرئيسية » » شفيق الزكاري يكتب عن تجربة التشكيلي باخوز

شفيق الزكاري يكتب عن تجربة التشكيلي باخوز


النشـرة الفنيـة

تشكيـل
شفيق الزكاري يكتب عن تجربة التشكيلي باخوز ...



 سؤال الحرف من العتمة إلى النور            
النشـرة الإخبـارية
شفيـق الـزكاري

"لا تستقيم تجربة فنية، إلا باستقامة صاحبها، فكرا وسلوكا وإبداعا"، لأن كل تجربة من التجارب الإبداعية مرتبطة بنفسية وطبيعة تربية الذات المبدعة، كذلك كان في تجربة الفنان رشيد باخوز، الذي عمل على احتضان مشروع لا يخلو من أهمية ومن مسؤولية في تعامله الجدي مع تيمة أعماله.
ولا يمكن أن ننتزع اعتراف الآخر بموروثنا الثقافي والإبداعي، إلا إذا أسسنا لتاريخنا الثقافي والفني، انطلاقا من تجاربنا الأصيلة والجادة، واستنادا لمرجعياتنا الثقافية والفنية، التي تغرف من الماضي لتصب في المستقبل.
ولا يمكن أن نتبنى تجربة فنية ما، إلا إذا توفرت فيها شروط إبداعية تدعو للتأمل والتساؤل، عن أفق منفتح على تأويلات متعددة، كإضافة نوعية لتراكمنا الإبداعي.
ولا يمكن أخيرا أن نكتب عن تجربة إلا إذا ما استجابت لمتطلبات فعل الكتابة في بعدها التحليلي لمكونات تستضيفك لعوالمها مرئيا وحسيا وفكريا.
في تشظيات كتاب "الصحو مثير للضجر"، للكاتب عبد العزيز كوكاس، يقول في مقطع موسوم ب "بلاغة صوفية" :
قلب الإشارة أوسع من جسد العبارة
فالوضوح دال الهباء، والغموض دليل دهاليز الروح.
لعبة الفراغ.. ظلمة البياض!
الإشارة دليلي لقلب المحنة، حيث تستوطن مرايا النفس."
من هذا المنطلق كان لرشيد باخوز كلمته النابعة من عمق إحساساته المرهفة، في تناوله موضوعا أصبح بمثابة مشروع حداثي، انتقل به من تأملاته الروحية المتعالية "Transcendante" الكامنة في قدسية الحرف، لاستدراك وفك اللغز الكامن فيه، مع تطويعه وجعله ذريعة لاستنباط ما ورائه وكشف الحجاب عنه، ليفصح بدلالته عن ما خفي من أسراره، بانتزاعه من دلالته اللغوية، لرمز اتخذ بعدا ثالثا ضمن فضاء جمع بين النور والعتمة.
إن المتأمل في الحركة الحروفية، التي عرفها التشكيل المغربي خصوصا مع الفنان عبد الله الحريري والمهدي قطبي.. والعربي عموما، منذ السبعينيات، مع ضياء العزاوي وشاكر حسن آل سعيد ورافع الناصري وغيرهم ضمن اتجاه "البعد الواحد"، إلى حدود الآن، سيدرك مدى انسداد وضيق إمكانية الاشتغال في هذا السياق، لمحدودية ذهنية الفنان العربي، ترتبت عن تراكم تجارب مختلفة في هذا المجال، الذي نتج سابقا عن صحوة بأهمية العودة إلى الجذور بحثا عن الخصوصية والهوية كانعتاق من الاستلاب الغربي، وهيمنته وتأثيره المباشر على التجارب العربية، بعدما أن وقع تاريخ الفن الغربي هو الآخر في أزمة إبداعية دفعت ببعض الفنانين إلى الهجرة بحثا عن ضوء إبداعي هارب في الثقافات الأخرى، ومن بين أشهرهم الفنان الفرنسي "جورج ماتيو"، الذي اتخذ من الحرف الياباني مشروعا لتجربته التجريدية الغنائية.
لكن هنا وفي هذا الظرف بالذات، عرفت أعمال الفنان باخوز، انفلاتا وانعراجا عن اهتمامات باقي الفنانين بالحرف، حيث قام بسفر برزخي بين الحلم والحقيقة، ليجعل من تجربته مشروعا قائما بذاته، انتقل بتسلسله من ما هو حداثي لما هو معاصر، في ظل التهافت على اعتناق المعاصرة كبديل معطوب، بدأ من حيث لم ينتهي، كانت الفكرة فيه مهيمنة في غياب شرط نوعية المعالجة، التي اختلطت فيها المعاصرة وتقاطعت بالفن المفاهمي، بحثا عن كونية مجردة وعارية من جذورها.
مما يبرر أهمية تجربة الفنان رشيد باخوز، الذي تبنى مشروعا ربما استطاع أن يرمي به في أحضان المعاصرة دون سابق إعلان، أي أن التطور الطبيعي لهذه التجربة، هي التي أملت وأفضت إلى هذا الاتجاه، دون توجيه من صاحبها، فكان للفيديو والنحت والتجهيز حضور مشرق، زاد من بهائها وإشعاعها، خاصة في تجهيزاته التي كانت حصيلة تصور نابع من أسئلة وجودية برمزية تشكيلية وبأبعاد فلسفية، سخر فيها الفنان الحرف لخدمة قضايا من منطلقات حضارية، جمعت بين الحرف العربي والعبري واللاتيني، على شكل حوار متمدن أعاد فيه رشيد باخوز تنظيف ونشر هذه الحروف من خلال فيديو قصير تحت عنوان "ترميم Réfection" لا تتعدى مدته دقيقتين، بمشاركة الفنانة السينمائية والمسرحية (نادية الزاوي)، تعبيرا على أهمية الحوار والجوار بين الثقافات الثلاث، برؤية أفقية مستقبلية، لاسترجاع ما قد دمرته الخلافات والحروب..
إن المثير والجميل في تجربة الفنان باخوز، هي أنها تنضوي تحت فكرة بداية مشروع مكتمل نسبيا ببنيته التركيبية، وبنظرة فوقية متعالية من حيث منهجية المعالجة، في محاولة للإحاطة بكل حيثيات ما يحتويه هذا المشروع، بدءا ببعدين (اللوحة)، مرورا على البعد الثالث (التجهيز)، وصولا إلى البعد الرابع (الفيديو)، حيث أن كل هذه العناصر المؤثثة لفضاء معرضه بفيلا الفنون بالدار البيضاء، هو امتداد لمعرضه الأخير بالرباط، الذي أنجز خلاله كوريغرافية حروفية من أداء الفنان التشكيلي كريم عطار، مما يؤكد انفتاح الفنان باخوز على مختلف الأجناس التعبيرية، إيمانا ووعيا منه بضرورة المؤانسة والاستفادة من اتساع رقعة الإبداع.
لذلك كان اختيار الموضوع في تجربة باخوز يكتسي طابعا روحانيا، أراد أن يكشف فيه عن اللامرئي انطلاقا مما هو مرئي، بجميع الوسائل الممكنة والمكملة للتحفة الفنية، ضمن عبور تعددت فيه التقنييات باختلافها، ليبرز ويجسد ما لا يرى، فكانت المنحوتة الموسومة ب (تعالي Transcendance)، من بين الإنجازات التي اخترقت عين المتلقي من منظور ميتافيزيقي، كسؤال وجودي انبثق من العتمة إلى النور، ومن العدم إلى الوجود، كأيقونة جمعت بين (ملون Palette) ساخن وبارد في نفس الآن، بانسياب شكلها وصلابة معدنها، شامخة كشعلة تنير الكون، أو كنقطة ماء هوت من السماء لتروي ظمأ الطبيعة والكائنات، إنها التحفة التي اختزلت مسيرة الفنان رشيد باخوز، وجعلت من مشروعه محطة لاسترجاع سؤال الحرف في حلة معاصرة، تفشي أسراره من زاوايا تختلف في طرحها ما أنجز في أزمنة سابقة.






تشكيلي/ ناقد       


ساهم بنشر المشاركة :

0 التعليقات:

إرسال تعليق

.

لنشر جميع إعلاناتكم annachrapress@gmail.com

 
النشـرة الإخبـارية ـ جميـع الحقـوق محفوظـة 2018
الإخبـــاريـة 24
تم إنشاء الماكيت بواسطة Creating Website قام بالنشر Mas Template
موقـع النشـرة الإخبـارية