google.com, pub-6282892942598646, DIRECT, f08c47fec0942fa0 جلنار... مدارات من التشكيل والتقاطعات | النشـرة الإخبـارية
الرئيسية » » جلنار... مدارات من التشكيل والتقاطعات

جلنار... مدارات من التشكيل والتقاطعات

 

         Média

 

  


جلنار... مدارات من التشكيل والتقاطعات

قراءة في الدّورة 27 لصالون صفاقس السّنوي للفنون



Média

 


               


بقلم: د. هالة الهذيلي بن حمودة،جامعة سوسة

تتنوع ثيمات البحث التعبيري لصالون صفاقس للفنون، ليتجدد اللقاء الإبداعي مع تجارب فنية محلية اختلفت طرقها ومساقاتها باختلاف الوسيط والمادة المعالجة في العمل التشكيلي. وانطلقت المواسم الاحتفالية في الدورة السابعة والعشرين، مزهوة برائحة الرمان وزهرته جلنار وما تحمله من دلالات رمزية عميقة للجهة.هذه الزهرات التي أينعت بتلاتها مبشرة بمواسم الرمان وحباته المتراصفة والمترابطة في نسيج علائقي محكم، ينعكس مباشرة على العدد المتميز للمشاركين وزخم المادة الإبداعية في رحابه. فلم يعد صالون صفاقس محفلا مناسباتي يقرب وجهات النظر الفنية بين الأجيال بل أصبح هوية تعبيرية متجددة يسهر على إنشائها وتثبيتها كتلة هامة من المولعين بأهمية الفنون والاستثمار الثقافي باعتباره لغة العصر وراهنيته المتحولة.  فكيف سكنت الأعمال التشكيلية فضاء الصالون وأي رابط بصري بين الفضاء والأثر التعبيري؟ كيف نقرا التجارب المحلية للفنون الإبداعية ضمن سياقات تشكيلية معاصرة؟ هل أن رمزية التقاطعات بين التجارب أصبح ضرورة فنية راهنة تمنح للأثر جواز العبور للمعاصرة في رهانات عصرنة الفن التونسي بتونس؟ عندما يقع تجميع التعابير الفنية المتعددة بين التصوير والفوتوغرافيا والفيديوغرافيا والنحت والخزف والحفر في فضاء موحد، فإننا نقف عند تأويلات عميقة ومصنفة لخاصيات البحث والتجريب ضمن ثنائيتي التشابه والاختلاف ودوره في تحديد الهوية الفنية الراهنة، فإلي أي مدى تنامت مواطن البعد الجوهري في الأثر التشكيلي النسوي وكيف تجددت المقاربات الفنية بجهة صفاقس وتنوعت أشكالها؟

  SPORT ET ART    

 

annachraalikhbaria.com

 

 

 


إن قراءة عمل فني في منظومة تعبيرية راهنة يقتضي منا الإلمام بالأجواء المحيطة بالفنان والوعي بجملة الإفرازات التنظيرية لبناء مرتكزات تنمية الفن والأسلوب ضمن طابع محلي يرنو نحو المعاصرة. كما يذهب الباحث في مجتمعه إلى أن يكون وجهة "العصر الحاضر ومدى وعينا بالطابع المحلي...ليجري الخوض فيه في الأواسط التشكيلية مرارا وتكرارا وتقليبه والتحوير فيه، تمحيصه وتدقيقه وتعميقه، تعميقه خصوصا." فأي حواضر إبداعية ومحلية يناشدها الفنان اليوم؟ «هل لفنوننا علاقة بهذه المسماة معاصرة؟ هل هي معاصرة حقا؟ وكيف يمكننا ان نستعمل هذا الاصطلاح الشائك ونتعاطى به مع فنوننا؟ في الحقيقة هناك التباس بين ما نسميه معاصرة او حداثة بعدية او ما بعد الحداثة، ونقصد بالالتباس هذا التداخل الدقيق بين ما يمكن تصنيفه موقفا حديثا أو موقفا معاصرا أو موقفا ما بعد حداثيا...تتطلب الإجابة عن هذا السؤال التفريق بينهما في حاضر الفنون التشكيلية التونسية، فهل هذا الحاضر حديث؟ أي من منتجات الحداثة؟ أم هو معاصر؟ بمعنى يعكس العصر الذي نعيشه ويشترط به؟ أم هو معاصر بالمعنى والمفهوم الغربيين للكلمة؟
"

يكمن البحث في عمق التجربة الإبداعية ونضجها في نماذج تشكيلية من الفنانين التونسيين وفي جهة صفاقس بالتحديد، لقراءة الحراك التشكيلي ومراوحته ضمن دلالات المعيارية الفنية المعاصرة. ويعول على هذا الأساس كل المساهمين في صالون صفاقس للفنون على قدرتهم الفردية ووعيهم الفني والثقافي الجمعي، لبناء الحضور الناضج ضمن هوية بصرية، وتنويع حلولهم وخياراتهم ورؤاهم الإبداعية. وفي مزار قاعة البلدية للأفراح والمؤتمرات بصفاقس، وسعيا من الجهات المختصة لتوكيد هذه الثقافة البصرية للإبداعات التشكيلية واحتفاء بفناني الجهة، فان التفاعل مع الوضعية القصوى وعدم امتلاك الجهة لقاعة عرض للفنون التشكيلية خاصة بالصالون وبالمناسبات المتعددة للغرض، يبقى المعضلة الأساسية التي يبحث فيها المثقف لإيجاد مخرجات حينية تنمي الفعل الثقافي الفني وتزهر إثرها التجارب المحلية. لم يكن الفضاء الشاسع للقاعة مخصصا لعرض الأعمال، ولم يكن الجدار مساحة حمّالة للأثر التصويري، بل إن الأعمدة التي تم تثبيتها بتقسيم محكم للفضاء الداخلي للقاعة قد ولّد سينوغرافيا مجزئة لقراءة الأثر بطريقة نوعية لكل اللوحات المعروضة. فهل من معيارية لتصميم الفضاء في طرق هذا العرض؟ وهل يؤثر المكان في رؤى التعابير الفنية ودلالاتها الرمزية ضمن مسارات التحديث والعصرنة؟ ثم كيف تكاتفت العوامل الذاتية والعوامل الاجتماعية مع العوامل الاقتصادية والسياسية لتحديد الأسلوب الفني للجهة،والمتجاوز للشكل الظاهري والعابر السطحي إلى العمق؟ إلى أي مدى يساهم الفضاء في تحديد " الأنشطة الفنية التي تفاعلت مع عناصر الحداثة ممثلة في إزكاء الفردية وإعمال العقل بهدف دفع جيل الشباب إلى فضاء فعالية فنية ترتبط بمفهوم الحداثة حيث توفر للفنانين المشاركين بأعمالهم الفنية مجالات جديدة تتجاوز مجالات المتعارف عليه لتوفر مناخا فرديا يتيح قدرا من الحرية للتسابق لنيل جائزة الصالون؟


إن فضاء العرض ومقاييسه الأكاديمية وتحولاته المعاصرة لم يرتقي في أيام صالون صفاقس الى توقعات الفنان والمتلقي، ورغم النداءات المتكاثرة لإبلاء هذا الموضوع دورا هاما لكونه مشروعا خاصا لبناء هوية ثقافية بجهة صفاقس، إلا أن المحاولات في إنجاح الدورات والبحث عن مخرجات وقتية كان هو الحل الأنسب لإقامة الصالون واستمراريته. يفتقر الفضاء لمقاييس العرض الأساسية   رغم محاولات المشرفين على الصالون لتعديل الوضعية وتركيز الأعمدة وتعليق الأعمال من الجهتين ليتسع الفضاء لأكثر عدد ممكن من فناني الجهة ضمن مبدا تكافل الفرص.

في هذا الإطار نتساءل وبشدة حول فن العرض وطرق توزيع الأعمال وترتيبها، ونبحث عن الخاصيات التي ضمنها المشرفون لتامين مشهديه معاصرة لمجموع اللوحات والمنحوتات والصور الفوتوغرافية في هذا الملتقى الفني. فهل يتطلب الصالون خبرة "قيّم" فني لمعالجة فن العرض وايلائه قراءة نوعية ذات معايير معاصرة ودولية؟ وهل تتكاثف الجهود لتركيز ثقافة القيّم وعرض الأعمال ليكون"الفن المعاصر فنا تجريبيا يسعى إلى العالمية من خلال سوق الاستهلاك الثقافي" ؟وكيف يمكن قراءة الأعمال المعروضة والوقوف عند خاصياتها التركيبية واللونية وتوظيفاتها الملمسية إذا كانت المسافات بين كل عمل وعمل غير كافية لكسب راحة العين. وهل أن اختيار الأعمال الخزفية والتصويرية في مثالها لمكية الشارني وهيفاء عبد الهادي ذات الشكل الدائري في نفس منصة العرض وعلى مستوى موحد هو مدعاة للبحث عن التقاطعات التشكيلية بينها، أو أن هذا التوزيع يشوش عملية القراءة الفردية الخاصة بكل صنف من هذه الأعمال؟ هل أحدثت التجارب الفنية المعاصرة نقلة نوعية في تقديم الأثر الفني واخترقت منظومة المتداول أم إن الكلاسيكية التعبيرية طغت على جلّ المشاركات المعروضة بالصالون؟


يمثل الفضاء أحد أساسيات البناء لفنون العرض وأجهزته المشهدية في الإبداعية المعاصرة، ولا يمكن في هذا الموقع أن نغفل عن ضرورة التفكير الجذري في إرساء ثقافة العرض بمقارباتها العالمية والتمحيص في بناء هوية فنية للجهة عبر تحديد فضاءاته واعتباره كأولوية للتفاعل والتشارك بين المتلقي والأثر التشكيلي.  وفي مدارات الوضعية الراهنة لفضاء صالون صفاقس للفنون نقف عند ضمور الإبداعات الرقمية وهشاشة فن التجهيز أو التنصيبات الفنية وقد يعود ذلك لخصوصية فضاء العرض وعلى ضوئه نتساءل: هل يقدم فنانو الجهة أعمالهم وفق متطلبات محددة؟ وهل ان الانجذاب اللاواعي نحو نموذج موحد وفق تعدد التقاطعات الفنية وانحسارها ضمن صيغ نوعية تمهد لولادة سياقات فنية متجددة؟ أم أننا أمام مصيدة النمذجة الخاضعة لقانون الاستهلاك العالمي وعصرنته؟


سعت التجارب الفنية المحلية لبناء سلطة مشهديه نوعية، تسلط الضوء على أسرار الواقع وتشعباته الرمزية والدلالية ضمن معايير فنية متجددة تخاطب وعي المتلقي الفاعل في العملية الإبداعية وتنمي أسس التلقي النوعي. ومن خلال سطوة التصوير ومطلبياته كتعبير فني مهيمن في اغلب المعارض الفنية والصالونات التشكيلية، فان طرائق البحث الإبداعي المعاصر لم يخرج بعد من حداثة الأسلوب وانغمس بدوره ضمن تصويرية لا تتضافر مع مستجدات العالم. فكيف يرسم الفنان المحلي بتونس أفكاره وهواجسه ومواقفه ونظرياته التجريدية والتعبيرية والتمثيلية ضمن صيغ متجددة؟ يعالج الفنان مبدآ الاستحقاق الأولي للمشاركة في الصالون السنوي للفنون التشكيلية بصفاقس، بأشكال وإشكالات فنية تخرج عن مبدأ الركود والتكرار الأسلوبي، عبر حوافز متعددة. وتنوعت قائمة المشاركين في هذه المناسبة الثقافية وحظيت التجارب النسوية بنمو نسبة المشاركة وتعدد طرقها الأسلوبية.

 Média

 

 

تعرض الفنانة نجوى عبد المقصود عوالمها اللونية المتراكبة بين الشفافية والعتمة وتقرا من خلال خطوطها الغرافيكية تصويرية لمسالة اليومي المحجب والمنكشف. هذا العالم الذي اختزلته بتجميعه على حامل اللوحة الكبيرة الحجم ضمن تركيبات مجزءة تتجمع وتتجاور في بحث خيالي عن هذه المدينة العجائبية في واقعيتها الفطرية.تحافظ المبدعة على بنيتها التشكيلية للوحاتها ضمن أسلوب تعبيري يقارب التجريدي بالتمثيلي وسط تقنيات متعددة تؤثث فضاء اللوحة لتنسج بخيالاتها وخطوطها شبكة من العلاقات اللونية والمساحات المتراكبة،مولدة من خلال الجزئية التقنية مستويات نضّاخة بالحركة والإيقاع.كما تحاول الباحثة إيجاد مخرجات فنية معاصرة عبر رحلتها المتجددة لضمانها "عنوانا على نقلة نوعية وانتقال جذري من إبدال جمالي قائم على التقليد والتمثيل والمحاكاة إلى إبدال جمالي آخر ميسمه التجريب والمغايرة والاستشكال"  .

تعددت مساقات التعبير التصويري في أعمال الفنانة نجوى عبد المقصود كما راهنت بدورها على تحيين العملية الإبداعية بضخها بتجديدات تقنية ولونية وتركيبية، رغم ان هذا الثراء التشكيلي لم يخرج أعمالها من الطابع النمطي القصدي ليكون الأثر بحث عن هوية الفنان البصرية.  هوية إبداعية اعتكفتها نجوى عبد المقصود، وهي التي اعتمدت على اللون كعكازها الأبدي وسط إيقاعات المحيط الذي تعيشه. تخرج نجوى عبد المقصود كل الحركة القابعة في اللون والخط والمساحة وتراوح بين الشكل والخلفية عبر مساحات من اللون الشفاف والمميع.وتذهب بدورها تجربة الفنانة عائدة كشو خروف، إلى مساءلة التركيبة وتيمة الامتداد والعمق،وهي التي تمرست على تملّك العجائن اللونية لتصنع منها رحلة نحو العمق واستكشاف المادة المتجانسة في تضاداتها الضوئية والسفر بها إلى عوالم الحياكات المتشكلة وأبعادها الرمزية.

تصنع الفنانة صور البحر وامواجه وامتداده وغموض عوالمه برهافة عارمة، تدفع بالمشاهد للإبحار بصريا بين ارجاء الفضاء المفتوح للوحةالصرحية عبرتموجات من اللون الواحد، ضمن ثنائيتي الفاتح والغامق.وتساءل عائدة كشو مواضيع من البيئة، وتحمل في مقارباتها مسالة البحر وتنهل منه فكرة الامتداد والتموج التي تطوعها تقنيا عبر العجائن المتنوعة والمختلفة ضمن مبدأ التكرار والتشابه. كما حرصت الأكاديمية سماح بوشعالة على القطع مع تجاربها الأولى في الصورة الفوتوغرافية لتضمن بعملها المشارك به في صالون صفاقس للفنون نقلة نوعية على الصعيدين التعبيري والتقني. تجزئت عناصر اللوحة ذات اللون الموحد، فخلقت بتراكب مستوياتها اللونية مشهدية فسيفسائية ايقاعية، تعكس ثراء المادة المزدوجة في العمل وتفتح أمامها طرق تجميع لمساحات مثناة عبر فعل الإطار والتأطير.

يوفر صالون صفاقس السنوي للفنون التشكيلية فرصا متجددة للطاقات الشبابية الإبداعية للتسابق في إطار تعميق التجارب الفردية، ولتحديث اللزوميات البنائية للمهارات الضرورية في ممارسة العمل الفني وتقاطعاته المعاصرة. واتسعت قاعدة المشاركة في هذه الفعالية وتقدمت فيها التجارب النسوية الطامحة لكسب ملكية إبداعية ضمن وضعية بصرية متجددة بشكل لافت. وفي إطار التحكيم الخاص لهذه الدورة تحصلت الفنانة الباحثة فاطمة دمق على الجائزة الأولى لعملها التشكيلي في اختصاص حفر بعنوان" أزهار الخير" والجائزة الثانية من نصيب الأكاديمية مكية الشارني بعملها الخزفي بعنوان "تجزئة الخلية" وبتقنية الراكو. نتساءل في هذا المقام عن مقاييس التحكيم وكيفيات قراءته للأثر، وعن أسس الريادة التي ساهمت التجارب الفائزة في بلورتها ضمن منوال معاصر؟ هل أن "أهم ركيزة من ركائز هذا المنوال المستحدث هي تحول اللوحة غرضا لنفسها وإقلاعها عن مواصلة القيام بدور الحامل الفكرة والوسيط بين مصور ومشاهد من جهة وعالم الأفكار والتصورات من جهة أخرى...وعلى هذا الأساس تم شطب العمق من اجل توطين الفعل التصويري على اديم قماشة اللوحة وانجازه ضمن شروطها المادية" أم انه انخراط في منظومة تعبيرية خارج أسس المناهج الجديدة؟ وعليه فان خليل قويعة لم يخفي حذره من هذه الوضعيات فبحث بدوره في بنية الذائقة وسلطة النموذج في ظاهرة الاقتناء الفني العربي ليصرح بأنه "يتطلب الأمر وضع إستراتيجية ثقافية تشريعية لتنشيط الأروقة الفنية يكون فيها دور الخبراء والنقاد والمنظرين وتضافر جهود الهياكل الجمعياتية المعنية في المجتمع المدني والتنسيق معها وبينها لضمان جودة الأداء الرواقي وديمومة المؤسسة الرواقية وخلق سوق فنية ذات مقاربة عضوية...كفيلة بتوسيع الجمهور المعني."

تبحث فاطمة دمق عن منوال تحديثي في تقنية الحفر لتأثيث فضاء اللوحة بتقاطعات خطية متراكبة تساءل فيها طرق إيجاد الإيقاع الداخلي المتمركز في كامل التركيبة.

 كما ضمت المساحات لأثرها"أزهار الخير" خمسة أجزاء تناسج فيها ثنائيتي المكتمل واللا مكتمل.وباعتماد الأسود والألوان النقية وتقنيات التشاف والعتمة فان الباحثة خلقت خرائط خطية تجمعها عبر تناسخ الاختلاف في التشابه. أما خزفيات الشارني لم تخرج بدورها عن التصوير الثنائي الأبعاد ذو شكل دائريو المثبتة على خلفية شفافة مربعة الشكل. لعب الجزء المكوّن الأساسي في هذه الأعمال رغم اختلاف التقنية، ليكون تجميع هذه القطع الخزفية مع بعضها البعض بالفراغات المولدة للحركة الإشعاعية للتركيبة. تساءل مكية الشارني الطين وطرق تطويعه عبر تقنية الراكو، لتتواتر الحركة الداخلية للتركيبة وتخلق فضاء من العالم الكوسمولوجي، أين يتفاعل فيه الشكل مع المادة بطريقة تخرج من الصدفوي نحو الفعل القصدي.

 تعددت التجسيدات البصرية في مدار صالون صفاقس السنوي للفنون وانشغلت تجربة الفنانة منال علولو ونجوى علولو وغادة بن عامر وسمية الحمداني وإيمان الطهاري بطرح نوعي لمسالة الجزء والتجزؤ كفاعل حيوي في الأثر الفني. كما تتقاسم التجارب الفنية فضاء الأثر الثنائي والثلاثي الأبعاد لتبحث الجمداني من خلال لوحاتها في الخط والخيط وتحويله لخطوط تؤثث بها المساحات المربعة الشكل،تترابط وتتجاور وتتراكب في نسيجية بصرية ثابتة في إيقاعها الداخلي عبر تفعيل الخلفية البيضاء وتدرجات الأزرق السماوي. وأخضعت منال علول خطوطها المتولدة من الفعل الصدفوي إلى مساحة شبكية تحركها شفافية الطبقات اللونية وتشققاتها وخطوطها المتجاورة والفاصلة بين الطبقات المتداخلة.

 لم يكن في البحث التعبيري المقدم نوع من العجائبي أو الصادم أو المختلف بل كانت التجارب في تقاطع وتشابه في اللون والمادة والشكل. هذا التشابه لم يمنع من تأثيث فضاء صالون صفاقس بطرق مستحدثة زمنيا، ولم تمانع فيه الفنانة فاطمة الحاجي من تعميق مسيرة بحثها بمعالجتها للأفق ومسالة الانعكاس والتناظر النسبي بملونة انطباعية التأثير.يضمن اللون المتشكل والتركيبة التجريدية وثراء العجينة اللونية محورا للبحث في لوحة الباحثة،ولم يعد الفضاء المغلق والجسد ورقصته في رحلة الولادة اللونية شكلا تعبيريا واحدا في تجربة الحاجي بل أن نضوج لمساتها اللونية قد بات مرآة منعكسة في لوحتها بعنوان رؤية. رؤية ثابتة وفق تركيبة شبه تناظرية انعكاسية تحركها المتضادات اللونية المتكاملة. فكيف استمدت الحاجي هوية الجسد الموضوع والجسد الفاعل في رؤيتها اللونية؟ وهل ضمن الجسد الباحث عن الحركة والانسلاخ من اطر الثبات نحو الإيقاع في الفضاء والمكان أن يؤثث المعنى الإنشائي لتجربة فاطمة الحاجي؟ لماذا استعانت الفنانة بلوحة تصويرية ضمن النظم التقليدية المتعارف عليها في الصالون السنوي للفنون بصفاقس، ولم تفتح تجربتها على فن العروض القياسية وإحداث اثر نوعي عبر تحريك الذائقة الجماعية؟ هل كانت مقاييس المشاركة تمنع ذلك أم أن الفضاء غير مخصص لفن الجسد أم أننا لم نعي بعد ثقافة التنويع والاختلاف في الرؤي مما دفع الفنان المحلي للبحث في دائرة الراحة، وباستحقاق شديد؟

تزاحمت التجارب الإبداعية النسوية وتقاطعت بشكل أو بآخر في محافل جلنار لكي تؤثث كل من هدى الخراط ولبنى الخراط مساحات من المادة الخزفية والنحتية. قاربت لبني الخراط إيقاعات الحجر لتقدم منحوتتها العمودية والثابتة _المتحركة إيهاما، عبر مزج المادة واللعب على قيمها الضوئية المتضادة بين الأسود والأبيض. يمثل النحت إذا، عالما مغايرا من التفاعل المادي بين الأثر والفنان وبين المتلقي والعمل المنحوت، ويضمن الفضاء المحيط به دورا هاما في إخراجه وتقديمه. ولم يكن العمل النحتي الذي قدمته لبني الخراط بعيدا عن المقاييس الفنية التجريدية، لتمرر ببساطة أشكاله انفتاحا هاما حول قراءته المتعددة، واقترانه برمزية الفراغ واعتلائها ثيمة بحث متجددة رغم صلابة الحجارة وتشكلاتها.كانت المادة اللونية محط اهتمام التجارب الشبابية بصالون صفاقس، وكرس إثرها الفنان أسئلته المقلقة حول طرق البناء، وخرجت تجربة هالة الهذيلي عن معتادها اللوني والتقني فكيف صنعت عوالمها الخطية في ربوع الفضاء القيم الضوئية؟

إن السؤال في ماهية التماسف وإرباك النظرة الثابتة للأسلوب وتطويعاته الكلاسيكية يضل محور اهتمام الباحثة عن صيغ من الرسم والخط والمساحة عبر ثنائيتي الأبيض والأسود. اعتنت الفنانة بكيفيات التأقلم مع الوضعيات القصوى وحملت فترات الحجر المنزلي البحث عن الصورة الذهنية والخيال والشكل المثنى والتعبير داخل أروقة الفن والأزمة ومجالاته المستحدثة. ومن خلال لغة الخط وتجزؤه تنسج هالة الهذيلي مسافات بين الأنا والآخر في لحظة مكاشفة الطبقات المتولدة من بحر الخطوط ومستوياتها المتعددة. تنوعت الرموز في "قصص الطيبين" و"قصص السعادتين" وتخيرت الفنانة عناوين لوحاتها اقتباسا وترجمة للفضاءات اليومية وما نعايشه فيها من حكايات وروايات وأحداث تجمع بين الخيال والواقعي. إن البحث في عوالم المسافة يتجدد بطرق متعددة في أثر هالة الهذيلي، ليتم التعبير ويشحن التركيب بثنائيات تجمع بين الفراغ والملء والضوء والعتمة والجزء والكل. تتشاكل المكونات التركيبية في تأليف سردي تختزل فيه الباحثة شكل الانفصال والانقسام والتسلسل للأجساد البارزة في تخفيها والمتشعبة في تنظيماتها ومفرداتها الإيقاعية.

إن البحث في المادة الورقية والاحبار والأقلام والنقطة والخط والجسد، فتح مجالات خصبة للقراءة المشهدية وللتطويعات الإنشائية، وراوحت بالتالي هالة الهذيلي بين نصوصها المصورة والمكتوبة لتتعمد دسّ أجزاء التركيبات ببعض الكلمات الرموز، ومنها "مخك فارغ"، "العيد غدوة"، "يفتح من هناك"، 'لاتخرج قبل أن تقول سبحان الله"... وغيرها من العبارات التي جاءت باللهجة البيضاء تعبر من خلالها عن ارتباط الفعل الإبداعي بهموم اليومي واعتبار الّفنان جزءا يناشد الذاكرة البصرية الجماعية عبر تعدد طبقات الذاكرة الفردية. يخرج فضاء اللوحة من الحدود الضيقة للرسم لتتعدد نسيجية الخطوط المتراكبة في إصدار حركي عبر ثنائيتي المكتمل واللامكتمل والمتواصل والمتقطع.

"انه بمقتضي الفعل النقدي يتكون الفعل الجمالي للأثر الفني كما قال المنظر الفرنسي روناي برجاي في الفن والتواصل وهذه المنظرة جوليا كريستيفا في حديثها عن اللغة التشكيلية تذهب ابعد الحدود في اللغة ذلك المجهول اللغة البصرية، لتقول ان العمل الفني ليس شيئا آخر غير النصوص التي تعمل على تحليله وانه ليس سوى النصوص التي تحاك حوله فقد أولت الحداثة التفكير النقدي منزلة تأسيسية بل وقد اعتبرت عملية التحليل والقراءة مجالا فاعلا لتركيز كيان الأثر الفني"  وعلى هذا الأساس ليس من الهين إقامة صالون سنوي للفنون التشكيلية، وليس من الحيف أن نجزم بان الجهود المبذولة لجنود الخفاء ولجنة التنظيم كانت على مستوى نوعي، لكن البحث في أهداف هذه المناسبة وإذكاءها بالجانب النقدي وفتح الفرص أمام القارئ المشاهد لكي يقتحم مجال النقد والقراءة البصرية قد ولد لغة خطاب فنية متجددة، تبحث في فرص الخروج عن السائد وتقف محللة للعوائق التي أوجدت أمام الفنان والفنان والفنان والجمهور والفنان ولجنة الشراءات.

إن طرح مسألة الكتابة النقدية وابتعادها عن البديهي والذاتي يدفعنا أمام صعوبات ووضعيات قصوى في الجهة ويدفعنا للبحث عن دور لجنة الاقتناءات الفنية وعن سبل بناء استثمار ثقافي في الفنون التشكيلية لكي تكون الفرصة كفيلة لانتهاج سياسة التشجيع وإثراء تاريخ الجهة في الفنون المعارة والراهنة.

ساهم بنشر المشاركة :

0 التعليقات:

إرسال تعليق