بوار الربيع العربي ... وثورات أكلت أبناءها

                                بوار الربيع العربي ... وثورات أكلت أبناءها
في مهد ثورات الربيع العربي تونس، عندما ركب الطائرة الديكتاتور الرئيس التونسي زين العابدين بن علي وهرب هو وحاشيته إلى خارج البلاد، ظهر ذلك الرجل التونسي وهو يصرخ بأعلى صوته وسط شارع خال ومظلم صرخته المدوية: "بن علي هرب .. بن علي هرب". كما نقلت القنوات التلفزيونية والفضائيات المقولة الشهيرة لتونسي آخر، وهو يعبر عن فرحه ونشوته بانتصار ثورة الياسمين، بقوله: " هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية".
من تونس الخضراء انطلقت الشرارة الأولى لاندلاع الثورات العربية بداية عام 2011 ،  انطلقت العدوى إلى مصر وتبعتها ليبيا واليمن وسوريا وبعض بلدان الخليج التي كان فيها الحراك محدودا، كما هي حركة 20 فبراير في المغرب.
بعد مرور بالكاد  سنوات على ربيع الثورات العربية سرعان ما انقلب الحلم إلى كوابيس  وتبخرت أحلام وآمال الشعوب العربية في القطع مع الفساد والاستبداد  وفي إرساء أسس الديمقراطية الحقة والحرية والكرامة.
فتصدت الثورات المضادة للربيع العربي الذي لم يأخذ وقته الكافي حتى يزهر، وأجهضت الحلم وحولته إلى كابوس وإلى ويلات وجراحات دموية لا تندمل.
فأصاب الربيع العربي البوار وأكلت الثورات أبناءها بالتدريج.
وقع هذا الارتداد أو الثورات المضادة، أولا في مصر فأجهضت ثورة 25 يناير المجيدة، وتم الانقلاب على الرئيس الشرعي، محمد مرسي، المنتخب في انتخابات رئاسية ديمقراطية شهد بنزاهتها المنتظم الدولي. انقلاب كامل الأركان قاده العسكر وفلول نظام مبارك وتواطأت فيه تيارات تصنف نفسها في مصاف الحداثة والليبرالية الزعومة، ووظفت فيه ماكينة مالية كاسحة وترسانة إعلامية رهيبة.
وفي ليبيا بعد أن أطاحت ثورة 17 فبراير بنظام العقيد معمر القدافي، تصارع الإخوة الأعداء في ليبيا على السلطة وثروة النفط وعلى حقول البترول، وأصبحت ليبيا الثورة هي ليبيا فوضى السلاح واقتتال الميليشيات على المناصب والنفط.
عسى جولات الحوار بين مختلف الفرقاء الليبيين أن تخرج البلد من نفق دوامة الصراع والاقتتال، لأنه من حق الشعب الليبي أن ينعم بالأمن والسلام والحرية والديمقراطية التي ثار على العقيد من أجل تحقيقها.
وفي اليمن الذي لم يعد سعيدا اختار المخلوع الرئيس عبد الله صالح بعد أن تربع على عرش اليمن لأكثر من ثلاثة عقود منفاه الاختياري في العربية السعودية وحمل معه ثروته التي جمعها من عزبته اليمن، وتم اختيار رئيس بدلا عنه يقود البلد نحو بر الأمان.
 وتم انتخاب مجلس للنواب انبثقت عنه حكومة متوافق بشأنها، سرعان ما انقلب الحوثيون عليها وعلى الرئيس اليمني عبد ربه منصور هادي. بتكتيك من المخلوع عبد الله صالح وبدعم من لاعبين إقليميين في المنطقة، فزحفوا على العاصمة صنعاء واحتلوا كل مؤسسات الدولة ووضعوا الرئيس هادي ضمن الإقامة الجبرية.
لكن الرئيس اليمني هادي سيتمكن من فك الإقامة الجبرية على نفسه ويغادر العاصمة صنعاء إلى مدينة عدن، ليظل اليمن الذي لم يعد سعيدا يعيش على إيقاع استمرار انسداد الأفق السياسي.
أما في سوريا الجرح العربي الغائر فقد دخلت الثورة على نظام بشار الأسد عامها الخامس، وتحولت من ثورة سلمية إلى "ثورة جريحة ويتيمة" وإلى مأساة القرن، بعد أن أمعن النظام السوري  في الفتك بشعبه بالقتل والتدمير والتجويع، واستعمل في جرائمه ترسانته العسكرية والحربية ممعنا في قتل شعبه وقصف المدنين العزل بالبراميل المتفجرة.
ودخلت على الخط قوى دولية وإقليمية وهو ما زاد من إدامة عمر القتل والتدمير وتجويع الشعب السوري وتهجيره من بلده سوريا إلى بلدان الجوار وفي بعض دول أوربا، أما من بقي في سوريا بين الأطلال فهو بين مطرقة الأسد وبراميله المتفجرة التي تلقيها طائراته على العزل، وسندان الجوع والتشرد واللجوء العشوائي المذل.
وتظل تونس مهد اندلاع ثورات الربيع العربي هي الاستثناء الوحيد، تونس التي نجت بجلدها من بطش الثورات المضادة وفلول الأنظمة المطاح بها واستطاعت أن تتجنب ارتدادات الدولة العميقة، فدخلت معترك إنجاح تمرينها الديمقراطي الاستثنائي في المنطقة العربية التي شهدت ثورات وصنعت بالتالي انتقالها الديمقراطي الذي قادها إلى بر الأمان. والله أعلم عاود ثاني..


0 التعليقات:

إرسال تعليق

.

لنشر جميع إعلاناتكم annachrapress@gmail.com

 
النشـرة الإخبـارية ـ جميـع الحقـوق محفوظـة 2019
الإخبـــاريـة 24
تم إنشاء الماكيت بواسطة Creating Website قام بالنشر Mas Template
موقـع النشـرة الإخبـارية