إنه عشق السينما ... في مدن الهامش

ولنـا كلمــة ..
                                                                                                           نوسطالجـيا
إنه عشق السينما ... في مدن الهامش

لمع حدائه وسوى شعره الأسود المنفوش أمام المرآة.. إنها ليلة السبت بداية عطلة نهاية الأسبوع، تناول علبة سجائر من نوع (كازا) من الدكان القريب من بيتهم، لم تكن في جيبه سوى عشرة دراهم ناولته إياها "أمه" قبل أن يخرج..
وقف متكئا على الحائط المألوف، يدخن في نشوة عارمة، يرقب المارة.. في الزقاق ..أخرج العلبة وأشعل سيجارة أخرى، بين الفينة والأخرى يلقي نظرة خاطفة على ساعته، لأن له موعدا مع أحد أصدقائه الذي اقترح عليه الذهاب إلى السينما هذه الليلة.. الفيلم بالنسبة إليه بالغ الأهمية، التاسعة ليلا وهو لا زال يتصفح صور الأفلام المعروضة بمشقة، ازدحام خانق حول اللوحة الخشبية التي يلصق عليها عادة بعض لقطات الفيلم المعروض.. صاحب شباك التذاكر البدين، يقف بباب قاعة العرض الصغيرة بهراوته الغليظة وكأنه بطل فيلم الليلة.. هراوته هذه غالبا ما ينهال بها على رؤوس المشاغبين وشحاتي محطة النقل، من مساحي الأحذية وحمالي الأمتعة..
داخل قاعة العرض الضيقة كراسي مبعثرة، جلها من خشب البناء وصناديق المبردات .. يرتفع الضجيج والعويل، تتعالى أصوات الكادحين وضحكات هستيرية وقهقهات مطولة، تنبعث من أفواه متسكعي محطة النقل أصحاب الوجوه الكالحة الشاحبة..
هؤلاء ضحك عليهم الزمان ورمت بهم الأيام المرة إلى مهزلة التاريخ.. إلى قسوة الحياة، يتفرج على فصول مأساتهم التي لا تنتهي أصحاب البطون المنتفخة.. تتسلى بمعاناتهم فئة تحترف التملق والتمويه، فئة تتقن فن "التشلهيب" فعاشت في رغد ونعيم..  وفئة ثانية تعزف على وتر مخططات الاحتواء وامتصاص سخط وغضب الفقراء..
تنطفئ الإنارة ويبدأ العرض، تزداد حدة اللغط والهرج والمرج.. وتنقلب قاعة العرض إلى سوق ليلي، تقف "بائعة البيض المسلوق" أمامي كتمثال أبي الهول فتحجب عني الشاشة بدون مبرر، كل في الأمر أنها تريد أن تبيع أحد المتفرجين بعضا من بيضها.. يجلس على كرسي من البلاستيك، يتقزز يتتبع أحداث ومشاهد الفيلم بصعوبة، يحس بدوران في رأسه، فلقد حالت هذه المرأة اللعينة بينه وبين تتبع بقية الفيلم.. ينفجر غاضبا شاتما إياها وأمثالها من بائعي الدخان والحلوى وهواة المشاجرات.. فكثيرا ما يضطر مشغل آلة  "الكاميرا"  إلى توقيف العرض حتى يفسح المجال لتدخل الهراوة قصد فض مشاجرة قد تكون حامية الوطيس، تجمع في الغالب بين اثنين من حمالي الأمتعة أو بين سكيرين، تنشب المشاجرات داخل سينما "الأحلام" لأتفه الأسباب، إما أن أحدهم رمى الثاني بعقاب سيجارته أو أن آخر بدا له من الممتع تقليد بطل الفيلم المعروض، فتتطور المسألة وتتحول من سب وشتم إلى لكم بالأيدي ورفس بالأرجل.. كلهم ضده يتسلطون عليه، فينغصون عليه مشاهدة وتتبع أحداث ووقائع الفيلم.


0 التعليقات:

إرسال تعليق

.

لنشر جميع إعلاناتكم annachrapress@gmail.com

 
النشـرة الإخبـارية ـ جميـع الحقـوق محفوظـة 2018
الإخبـــاريـة 24
تم إنشاء الماكيت بواسطة Creating Website قام بالنشر Mas Template
موقـع النشـرة الإخبـارية